إنّي لجوجٌ، لدودٌ، حقودٌ، حسودٌ" - تباهى بأسوءِ صفاتِك"
أحييكُم بتحيةِ الإسلام فالسلام عليكم و رحمة الله و بركاته…
نًجدِدُ اللقاء معكم و في جُعبتنا شذراتُ جديدة و خواطِرُ إلهامية نرجو من اللهِ أن تُلامس قلوبَ مَن يُصادِفُها و أن تكونَ سبباً في خيرٍ كثيرٍ لكُلِ مَن يُضحي بِدقائقِ وقتهِ الغالية من أجل الخوضِ في رِحابِها ..
فلكم منا جزيلُ الشكرِ و خالصُ المودةِ و العِرفان ..
دعنا نتفق أولاً على أمر واحد:
أنا يا قارئي, متهمة رسمياً في محيطي العائلي والاجتماعي بالاختفاء التام.
المقربون مني يشتكون من قلة ظهوري وتواصلي مؤخراً، بل و يتهمونني بالقطيعة!
وبصراحة؟
لا أملك أي دفوع لأقدمها في محكمتهم..
فأنا الجانية التي اختارت بكامل إرادتها أن تنفصل عن الحاضر، لتسجن نفسها داخل نفق زمني ساحر يمتد لألف عام.
كل هذا الانغماس، بل هذا الهروب الشديد، بدأ منذ أن عثرت على سلسلة يوتيوب تدعى “1000 عام من الخلافة الإسلامية”، للثنائي المذهل: الصحفي سيد جبيل والمؤرخ المُتألِق إبراهيم العسال.
لم أكن أتابع برنامجاً وثائقياً عادياً!
بل كنتُ أتسلل كالشبح بين ردهات القصور، وأُشرِّح نفسيات رجالٍ غيّروا وجه التاريخ بأفعالِهم بكلِّ مافيها من بشريةٍ معقدة!!
خيرِها و شرّها.
تسير الأمور بإيقاع متخبط..
فتارةً أراني أنبهِرُ و تارةً أجدني أبكي و في بعضِ الأحيانِ أضحكُ و في بعضها الآخرِ أحتارُ و أنهار..
حتى وصلتُ إلى الحلقة رقم 16.
هنا تحديداً، حدث الارتطام.
هذه الحلقة لم تكن مجرد مادة للمشاهدة..
بل كانت “أفعوانية مشاعر” حقيقية.
كنتُ كمستمعة أهبط في قاع الصدمة، ثم أرتفع فجأة إلى قمة الذهول!
يتملكني الرفض تارة، ويصفعني العجب تارة أخرى.
تأرجحَ عقلي بعنف مع كل دقيقة تمر و يا لَدسامتِها من حلقة..
فمحورُها كان تلكَ الشخصية الأكثر جدلية ورعباً في التاريخ الإسلامي:
الحجاج بن يوسف الثقفي.
لابُدَّ من أننا نعرف جميعاً مَن هو الحجاج.
و إن كنتَ لا تُحيطُ بهذا الرجل علماً فأوصيكَ بالحلقةِ لأنها ستفلِق مدارِككَ فلقاً.
فاسمُ هذا الرجلِ يرتبط فوراً بالدموية و السادية!
السيف المصلت، والبطش الذي لا يرحم.
سمعتهُ ليست بيضاء طاهرة بالتأكيد، والتاريخ يحفظ له سجلات تقشعر لها الأبدان من القسوة.
لكن، وسط كل هذا السواد، وفجأة...
قيلت جملة على لسانه عندما طلبه الخليفة عبد الملك بن مروان أن يعيب نفسه..
نظر الحجاج إلى باطنه، وقال بلا تردد:
“أنا لجوجٌ، لدودٌ، حقودٌ، حسودٌ”
ماذا؟
كيف يعقل!
إنسان يصف نفسه بأبشع رذائل النفس البشرية، دفعة واحدة، وفي سطر واحد!
في تلك اللحظة بالذات، ضغطتُ زر الإيقاف المؤقت...
ثم أعدتُ اللحظةَ التي ذُكرت فيها تلك الجملة..
“أنا لجوجٌ، لدودٌ، حقودٌ، حسودٌ”
أعدتُ المشهد مرة، ومرتين، وثلاثاً... وأنا أتساءل بذهول يمتزج بالرعب:
كيف يمكن لإنسانٍ أن يصل إلى هذه المرحلة المخيفة والمرعبة من الوعي بالذات؟
كيف؟
أليس غريباً ومثيراً للاهتمام، كيف لِهذا الرجلَ الذي تشاكست فيه آراءُ البلادِ و العباد و وصفتهُ الناس بالطاغيةِ و السفّاح أن يملك ما يمكننا نحن -العاديونَ المساكين أبناءُ السبيل الذي لا نجدُ في دواخلنا تعطشاً للدماء “حالنا حال الشخص الطبيعي يعني..” - أن نتعلمه منه؟
كيف يمكن لإنسان أن يخلع كل مساحيق التجميل البشرية ليقف عارياً تماماً أمام مرآة نفسه دون أن يرمش له جفن؟
كيف يمكنُ لأيِّ انسانٍ أن يصلَ لهذه الدرجة من التصالحِ مع نفسه بكُلِّ ما أوتيَت من وحشيةٍ و ظَلام!
ألسنا قوماً “يزعلون” إذا ما اِتُّهِمنا بالكذبِ و نحن في الأصل كذّابون!
ألسنا نخجَلُ من التكاسلِ و التثاقُلِ و نتوسّلُ التبريراتِ و التعليلاتِ لعلّنا نشتتُّ انتباهَ هذا الذي يقفُ أمامنا عن سيءِ طِباعنا؟
فكيف!
كيفَ يمكنُ لرجلٍ أرهقَ ما أرهقَ من الدماءِ و سبَّبَ ما سبَّبَ من البَلاءِ و العناء أن يقِفَ بهذه الصرامةِ و الصراحةِ و يقولَ لولي أمرهِ و حاكمِه :
“أنا لجوجٌ، لدودٌ، حقودٌ، حسودٌ”
ملامح الوحش ومملكة الدم
“إن في ثقيفٍ كذاباً ومبيراً”.
بهذا النص النبوي القاطع، بدأت الحكاية قبل أن يولد بطلها بعقود.
المبير في لغة العرب هو:
المهلِك، السفاح، الذي يسرف في إهلاك البشر وإبادتهم.
و كانَ في هذا الحديثِ الشريفِ نبوءة ثقيلة تدور على الألسن، وتترقبها الضمائر باحتراز، لينبثق السؤال المعلق في الهواء:
مَن عساه يكون هذا المُبير؟
أمّا الكذاب فكانَ المختار بن أبي عبيد الثقفي، و كان وصفُ الكذاب من نصيبِه لادعائه “الشاطِح” بالنبوة ونزول الوحي عليه, بل و إنّه ادّعى مرافقة الملائكةِ له و مجالستهم إيّاه و تحدّث عنهم كما لو كانوا أصحاباً عابرينَ يشربونَ معه الشاي في ضحيةِ يومٍ لطيف!
فهاهو التابعيُّ رفاعة بن شداد يدخلُ يوماً على المختار، فرحب به المختار وأراد أن يكرمه بجلسة..
ولكنه اعتذر له بأنه لا يستطيع إعطاءه الوسادة المريحة قائلاً:
"لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك"
فما كان لِرٌفاعةَ إلّا أن يهم بضربِ عنقه و لكنه تراجع متذكراً قول النبي ﷺ: "أيما مؤمن أمن مؤمناً على دمه فقتله، فأنا من القاتل بريء"
و للمختار ما لَهُ من الشطحاتِ و العجائب و الغرائب.. ولكَ أن تتعرّف على قصتِه من خلال السلسلة أيضاً عزيزي القارئي..
ولكن لنعد إلى شخصيتنا الرئيسية الآن..
عندما ظهر الحجاج بن يوسف الثقفي، أدرك الجميع أن النبوءة قد تجسدت لحماً ودماً، وأن “المُبير” قد حطّ رحاله في أرض الواقع.
إذا فتشت اليوم في قواميس التاريخ عن مرادفات للبطش، فلن تجد اسماً يلوح في الأفق كاسمه.
رجلٌ لم يكن مجرد قائد عسكري مرّ عبر العصور، بل كان إعصاراً من القسوة صبّ حممه على أرض العراق والشرق لقرابة عشرين عاماً.
قبضةٌ حديديةٌ لم تأتِ لتصطنع سلاماً، بل جاءت لتُثبِّتَ دعائم دولة أموية كانت تتآكلها الثورات..
ولكي يفعل ذلك، اختار السيف والدم لغة وحيدة ومقدسة.
هل نتحدث عن القسوة؟
دعنا نتأمل خطبته التاريخية الشهيرة حين دخل مسجد الكوفة متلثماً، وعيون أهل العراق تترقبه بحذر، فصعد المنبر، وخلع لثامه ببطء شديد، ليرسل كلمات جمدت الدماء في العروق:
“إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها... وإني لأرى الدم يترقرق بين العمائم واللحى”.
لم يكن هذا تهديداً شاعرياً، بل خطةَ عمل!
سخاء الدم عند الحجاج تجاوز كل الحدود المتوقعة.
يذكرالتاريخ بذهول أنه أباد في حروبه وسجونه ما يقارب مئة وعشرين ألف إنسان، دون أن تهتز له شعرة.
لم يكن يفرق بين متمرد، أو معارض، أو حتى صحابي جليل.
ولعل المشهد الأكثر قتامة في مسيرته هو محاصرته لمكة المكرمة، وضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق، وقتله لـ عبد الله بن الزبير رضي الله عنه و عن أبيه و أمه, وتعليق جثته مصلوبة أمام الناس! هذا الرجل نفسه الذي كان أوّل مولودٍ رحبت به أرجاءُ المدينةِ المنورةِ بعدما زعم اليهودُ باستحالةِ الإنجابِ و الولد للمهاجرينَ في المدينة..
كيف يعيش إنسان بكل هذا الثقل الأخلاقي؟ وكيف ينام رجلٌ تجرّأَ على حياة الآلاف، وحبس في سجونه عشرات الآلاف؟
اعتاد التاريخ أن يرى في الحجاج وجهين لا ثالث لهما:
إما “سفاح مجرم” أفرط في سفك الدماء، أو “قائد فذ” أنقذ الدولة من التشرذم والضياع.
لكن السلسلة، وتلك اللحظة الصادمة في الحوار، كشفت عن وجه ثالث مرعب. وجه لم يلتفت إليه المؤرخون كثيراً، لكنه يمثل الصيد الثمين للمتفرِّس في أسرارِ الذاتِ و الساعي لمعرفتها و فهمها.
تخيل المشهد في قصر الخلافة بدمشق، عندما جلس الخليفة عبد الملك بن مروان يوماً ونظر إلى الحجاج بنبرة هادئة ومجرّبة قائلاً:
“يا حجاج... إنه ليس من أحدٍ إلا وهو عارفٌ بعيوب نفسه، فَعِب نفسك، ولا تخبأ منها شيئاً!”
فأنشد الحجاجُ و تغنى : “إنّي لجوجٌ، لدودٌ، حقودٌ، حسودٌ”
هنا تراجع الخليفة بذهول وصدمة وقال له: “ويحك! ما في الشيطان شرٌّ مما ذكرت! إذن.. بينك وبين إبليس نسب؟”
فرد الحجاج بابتسامة باردة ومخيفة: “بل إن الشيطان إذا رآني.. سالمني!”
هذا الاعتراف لم يكن زلة لسان..
بل منهجاً ثابتاً يعلنه بكبرياء غريب.
وفي موقف آخر، عندما واجهه عمر بن عبد العزيز (قبل خلافته) بضيق شديد قائلاً: “إنك يا حجاج.. ظلومٌ، غشومٌ، حقودٌ، كذوبٌ، حسودٌ، لدودٌ!”.
لم يغضب الحجاج ولم يدافع عن نفسه، بل استمع بهدوء عجيب كأنه قاضٍ يحلل الأوراق، ورد بثبات نفسي مرعب: “يا عمر.. أقرُّ لك بثلاث، وأنكرُ اثنتين! أنا كما قلتَ؛ حقودٌ، لدودٌ، حسودٌ.. هذه أقر لك بها ولا أنكرها. ولكنني.. ما كنتُ كذوباً قط، ولستُ بالغشوم!”
كيف يمكن لإنسان أن يرفض “الكذب” لأنه يراه ضعفاً وخوفاً، بينما يتقبل ويتباهى بالرذائل التي تنبع من جبروتِه ورغبته في السيطرة وإثبات الذات؟
قف معي هنا قليلاً... وتأمل.
ألسنا أمام حالة ذهول حقيقية؟
كيف يعقل أن يصل شخص إلى هذه الدرجة المخيفة والمرعبة من التصالحِ مع نفسه؟
أنا أُقر..
الاعتراف بالعيوب الشخصيةِ أمرٌ شجاع يُحترَم..
لكن أن يقف إنسان أمام مرآة باطنه ليعترف بأبشع الرذائل البشرية بل ويتباهى بها ويسوقها كمزايا استراتيجية لحكمه...
ما الذي يعنيه هذا سيكولوجياً؟
هل هذا هو التجسيد الأقصى والمظلم لما نسميه اليوم “حب الذات” و “تقبل الذات”؟
في عمق المرآة المظلمة
هذا الانبهار الصادم الذي شعرتُ به، لا ينبع بالطبع من حب هذه الرذائل أو تمجيد القسوة…
فأنا لم أنبهر بدمويةِ الحجاج ولا بهوانِ الدماءِ عليه و لا بقسوتِه و جراءتِه..
بل انبهرتُ أشدَّ الانبهارِ من تلك المكاشفة المتطرفة التي تفتقر إليها طبيعتنا البشرية في الغالب..
نحن نعيش في عالم يقدس الإنكار النفسي.
ففي فضاءات التواصل الاجتماعي، وفي علاقاتنا اليومية، يستميت الجميع للظهور بمظهر الضحايا، أو القديسين، أو الأشخاص المثاليين الذين لا يُذنبون.
نغلف عيوبنا بمبررات واهية، ونخاف حتى من تسمية مشاعرنا السلبية كالغل أو الحسد أمام أنفسنا في الغرف المغلقة.
لماذا؟
حتى لا “أطيح من عين نفسي.”
لكن الحجاج فعل العكس تماماً.
لقد مارس ما يسميه علماء النفس “دمج الظل” (Shadow Integration)، ولكن بطريقة نرجسية خبيثة.
لقد نزع السلاح النفسي من الجميع!
فعندما تعترف بأسوأ ما فيك علناً وبثقة، فإنك تسحب من خصومك أقوى أسلحتهم؛ لن يتمكن أحد من ابتزازك، أو صدمك بحقيقتك، أو استخدام رذائلك ضدك، لأنك أعلنتها كشعار و”هوية” تفتخر بها.
حوّل الحجاجُ اللجاجة واللدد والحقد إلى “أدوات وظيفية” يرى أن منصبه كقائد يحتاجها لضبط دولة تشتعل بالثورات.
بل و إنني سأتجرّأُ و أقول أن لِلحجّاجِ فضلاً في استقرارِ الدولةِ الأمويةِ بشكلٍ عامٍ و العراقَ بشكلٍ خاص..
فهل يمكنُ حقاً لأبشعِ صفاتنا و أرذلِ طِباعِنا أن تكونَ مكمناً لِقواتِنا ومفتاحاً لنجاحنا لو أننا فقط أتقنّا فنونَ ترويضها؟
نعم.
في علم النفس، يُطلق على هذه العملية اسم “التسامي” (Sublimation).
وهي القدرة على أخذ الطاقات المظلمة والمكبوثة داخلنا، وتعقيمها، ثم إعادة توجيهها في مسارات تخدمنا وتخدم المجتمع، بدلاً من أن نخلي سبيلها لِتضرم الحريق في باطننا أو تنفجر بعنفٍ في وجوه الآخرين.
فلننظر إلى صفات الحجاج على سبيل المثال:
1. اللجاجة (اللحاح والعناد)
الوجه المظلم: العناد الأعمى، والجدال العقيم لمجرد الرغبة في الانتصار، والإصرار على الخطأ وإنهاك الآخرين.
الاستخدام السليم: تحويل اللجاجة إلى إصرار لايُضاهى. عندما ترفضُ الاستسلام أمام العقبات، وعندما تُلّح على هدفك المهني أو الأكاديمي رغماً عن الظروف، فأنكَ تمارس اللجاجة بنبل. النجاح يحتاج شخصاً “لجوجاً” و لحوحاً لا يقبل بكلمة “مستحيل” بَل “يُعافِر” حتى يصل!
2. اللدد (الخصومة الشديدة)
الوجه المظلم: الفجور في الخصومة، ومحاولة تدمير الشريك أو الصديق لمجرد حدوث خلاف، والسعي للانتقام بكل الطرق.
الاستخدام السليم: تحويل اللدد إلى صلابة في الحق, ووضع حدود حاسمة لا تُخترق و لا تُنتهَك. فالحياة تحتاج منك أحياناً شجاعة “اللدد” لتقول “لا” قاطعة في وجه الاستغلال، ولتدافع عن مكتسباتك وحقوقك بشراسة يحترمها خصومك قبل أحبابك.
3. الحسد
الوجه المظلم: تمني زوال النعمة عن الآخرين، والشعور بالمرارة والغل كلما نجح أحدهم، ومحاولة التقليل من إنجازاتهم.
الاستخدام السليم: تحويل الحسد إلى إلهام ومنافسة شريفة. عندما ترى شخصاً يتفوق عليك، وبدلاً من إنكار شعور الغيرة، تكاشفُ نفسك: “أنا أحسده لأن يمتلِكُ ما أطمح إليه”. و هنا يتحول الحسد إلى غبطةٍ و تعمل و كأنها وقود محرك يسألك: “ما الذي ينقصني لأصل لما وصل إليه هذا الآخر؟” وتبدأ بعدها مشوار الحركةِ و التطوير.
4. الحقد
الوجه المظلم: اختزان الكراهية، وتمني السوء للناس، والعيش في رداء الضحية التي تنتظر لحظة سقوط الآخرين لتشمت بهم.
الاستخدام السليم: تحويل الحقد إلى ذاكرة استراتيجية ودروس مستفادة. فالطيبة الساذجة تؤدي إلى تكرار الأخطاء ذاتها مرة تلو الأخرى. أما الحقد المهذب فهو يعني عدم نسيانك لِمن آذاك أو خذلك، ليس بهدف الانتقام، بل بهدف “التصفية” و استخدام طاقة الألم لتثبتي لنفسك ولهم أنك قادرعلى التحليق بعيداً عن دائرتهم.
و على هذا السياقِ قِس يا قارئي زمرةً من الصفاتِ السيئةِ التي نحاول التنصُّلَ منها حين نجدها في ذواتنا أو نمقُتُها حين نجدها في غيرنا وكيف يمكن لنا تطويعُها لتكونَ ذات شأنٍ أيجابيٍ و صحيٍ في تكويننا الشخصي:
اللقافة (الفضول الزائد) ← الفضول المعرفي والتحليل العميق.
الأنانية (حب الذات المفرط) ← إعطاء النفس حقها و الأولوية الصحية وحماية المساحة الشخصية.
الاستعراض (شهوة المديح وحب الظهور) ← التسويق الذاتي والجرأة المهنية.
التلصص (التنقيب عن العثرات) ← التفكير النقدي الحاد وكشف التزييف والخداع.
حب السيطرة (المشيخة والتسلط) ← القيادة التنظيمية والحزم في اتخاذ القرارات.
التملق (المجاملة والمداهنة) ← الذكاء الاجتماعي والدبلوماسية الراقية.
البخل (الحرص الزائد على المال) ← التدبير المالي الذكي والذكاء الاستثماري.
الشك (سوء الظن المستمر) ← التقصي، الحذر، والتحقق قبل اتخاذ المواقف.
الاستعجال (قلة الصبر والنزق) ← سرعة الإنجاز والقدرة على اقتناص الفرص الخاطفة.
الثرثرة (كثرة الكلام) ← مهارة التواصل، تكوين العلاقات، وقوة التعبير.
وهنا يكمن الدرس المفصلي والزبدة التي نحتاجها في رحلة وعينا الذاتي يا قارئي..
هناك شعرة فاصلة بين “تقبل العيوب لإصلاحها وتهذيبها”، وبين “تقبلها للاستقواء بها والتباهي بوحشيتها”.
اختار الحجاج الطريق الثاني، فجعله وعيه الذاتي طاغية أشد ذكاءً وأكثر تدميراً فأصبحَ ما أصبح بقرارِه و كاملِ إرادتِه.
أما أنا و أنت؟
فيجب أن نأخذ من قصته الدرس المستفادَ و العبرةَ المرجوةَ و أن نسعى لتشخيصِ سيئاتِنا و تعقيمِها حتى تُضحيَ أدواتٍ للترميم والارتقاء الأخلاقي.
و في الختام
ربما كنتُ حقاً مهملةً في الآونة الأخيرةِ و مقصرةً في حقوق الكثيرِ مِمَّن له حقٌّ علي..
و ربما تكون رذيلتي هي هذه الصفةُ التي اِتُّهِمتُ بها مؤخراً
“مهملة”
“قاطعة”
“لامُبالية”
و لكنني حتماً أراني بمنظورٍ مختلفٍ جداً..
فإهمالي للعالمِ الخارجي ماهو إلا استراحةُ و نقاهةُ في رحاب عالميَ الداخلي..
و تقصيري في السؤالِ ما كشفَ لي إلّا عن أهميتي في حيواتِ اقراني و عن “غلاوتي”..
و لامُبالاتي بِكثيرٍ من الأحداثِ لا تُعرّي لي سوا قدرتي على الانشغالِ بنفسي و حياتي و انغماسي في خصوصياتي..
إن الزبدة الحامضةَ التي يصفعنا بها الحجاج بن يوسف هي أن الوعي الذاتي ليس نزهة سلامٍ للمثالية الزائفة..
بل هو مقصلة تقطع رؤوس أقنعتك المنافقة لتتركك عارياً أمام حقيقتك.
الشر الحقيقي..
لا يكمن في الوحش الذي يربض في أظلم سراديب باطنك..
بل في استماتتك لتمثيل دور الضحية أو القديس النقي أمام الناس.
فكل إنكار لشرورك يمنحها سلطة مطلقة لتقودك من خلفِ الكواليس كدُمية خاضعة.
نعم..
كان الحجاج بن يوسف سفاحاً هدم الكعبة وسفك الدماء..
و لكنه امتلك مرآة صافية ومرعبة لم تجرؤ عروش الذاكرة العربية على النظر فيها.
وقبل أن تطوي هذا البريد وتبدأ أسبوعك، سأهز كيان صمتك بهذا السؤال المعلق:
إذا تجردتَ الآن من كل تبريراتك، ومساحيق تجميلك الأخلاقية، وخوفك من السقوط من عين نفسك...
ووقفتَ أمام مرآتك في عتمة غرفتك وحدك...
ما هي الخطايا الأربع التي تنهش باطنك..؟
أتملك الشجاعة المرعبة لتصرخ بها في وجه نفسك الآن؟
هل تملك شجاعة الطاغية لتعترف بوحشك؟
لتعترف و تنشد بـ“إنّي لجوجٌ، لدودٌ، حقودٌ، حسودٌ”
أم ستختار كالعادة...
أن تعيش قديساً مزيفاً؟








التأمل والتفكر الذاتي بعد النشرة
وأنا بقرأ تذكرت في مرة كنت بذاكر في ريادات نسائية من الإسلام فجت من ضمنهم السيدة أسماء بنت أبي بكر (أم عبد الله بن الزبير بن العوام) فبقرأ السيرة بتاعتها وصلت عند سطر من السطر بيذكر إن أكبر محنها إنها رأت إبنها مصلوب!! ورأت قاتله وقالتله "لقد أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك" فأنا هنا وقفت..وقعدت أبكي بجد قعدت أبكي كأنه كان إبني وقعدت اتعجب سبحان اللي ألهمها الصبر فالموقف دا قتعدت اتخيلت انه ابني،حملت فيه تسع شهور،وكان أول فرحة مولود فالمدينة ،وربيته وكبرته وفجأة أشوفه قدامي مصلوب!! قعدت أبكي كتير ساعتها وإلى الأن الموقف دا من اكتر المواقف المؤثرة فيا وبحس بإحساس القهر كل ما أفتكره...