#062 حين اعترفتُ لنفسي
بأنني لا أحب تخصصي الجامعي
أحييكُم بتحيةِ الإسلام فالسلام عليكم و رحمة الله و بركاته…
نًجدِدُ اللقاء معكم و في جُعبتنا شذراتُ جديدة و خواطِرُ إلهامية نرجو من اللهِ أن تُلامس قلوبَ مَن يُصادِفُها و أن تكونَ سبباً في خيرٍ كثيرٍ لكُلِ مَن يُضحي بِدقائقِ وقتهِ الغالية من أجل الخوضِ في رِحابِها ..
فلكم منا جزيلُ الشكرِ و خالصُ المودةِ و العِرفان ..
خمس وعشرون سنة..
مرّت منها أربعٌ ثقال خلف مكتبٍ حكومي، في ركنٍ باردٍ يُدعى “إدارة الأصول و المخازن”.
لم يأتِ الاعترافُ مصحوبًا بضجيج، ولم يسبقه انهيارٌ أو خيبة، أو لحظةُ فشلٍ دفعتني دفعًا إلى مواجهة نفسي.
لم يحدث شيءٌ استثنائي على الإطلاق..
كنتُ فقط أؤدّي ما أجيده، أُنجز مهمتي كـ "محاسبة أصول" في جهة حكومية كما اعتدتُ منذ أربع سنوات:
بخطواتٍ محفوظة، وبذهنٍ يحاولُ دون تردّد، وبثقةٍ هادئة لا تحتاج إلى إثبات.
هنا، أراقبُ تقويم العمر الذي أضحى في رحابِ السادسة والعشرين..
وأتأملُ تلك الأرقام التي تملأ شاشتي ببرودٍ لا يطاق.
أنا “المحاسبة” الشابة..
صاحبة المعدل الاستثنائي (4.0)،..
تلك التي قاتَلت “قيود الاستهلاك” و جابَهَت ضد “نماذج الجردِ و التقييم” حتى ظنّ الجميع أنها خُلقت من طينة الحسابات والنتائج.
لكن الحقيقة التي أخفيتها طويلاً تحت رباطة جأشي المهنية، هي أنني كنتُ أعيشُ “غربةً” مُقنّعة.
وفي خضمّ هذا الهدوء المألوف، ظهرت الفكرة.
لا على فُجاءةٍ ولا بشكلٍ عنيفٍ ولا على هيئةِ تمرّدٍ ناقِم..
بل تجلّت كما لو أنها كانت متربعةً هناك منذ سالف العصر و الأوان، تنتظر مني الالتفات:
«أنا لا أحبّ هذا».
لم أختر هذا المسار؛ بل كان خياراً وُلد من رحم المتاح فَفُرض عليّ حين ضاقت الخيارات الأكاديمية..
طوال سنوات، كنتُ أطوّع عقلي ليفهم “الإهلاك المتراكم” و”تسوية القيود المحاسبية”و وجدتُ نفسي في مواجهة أرقامٍ صماء..
بينما كانت تتوقُ روحي إلى شيءٍ من المغامرة ! من الخيال! من الألوان و الحكايات!
قصةٌ تُروى، شعارٌ يُبهر، عالمٌ لا يُقاس بالدرهم والدينار، بل بالأثر والشعور.
ولكن ها أنا ذا..
أنجحُ في “التمويل” وأنا أكرهه.
و أحاولُ مُصادقةَ المحاسبة وأنا غريبةٌ عنها..
أحاولُ جاهدةً ارتداءَ هويةٍ لا تعنيني و إتقانَ دورالنابغة في فنٍ لا أحبه..
أتوشّحُ بزيّ المحللة الرزينة بينما تسكنني فنانةٌ جامحة ترى في كل فرصة عملٍ لوحةً بصرية وحكايةً إنسانية، لا مجرد “قيمةٍ دفترية” وجداول “إكسل” لا تنتهي.
اليوم، أخلعُ قناع الرضا الزائف، وأعترفُ لنفسي ولكم:
إن النجاح في مضمارٍ لا يشبهنا، هو أقصى درجات الهزيمة الصامتة.
ما يُربكني اليومَ ليسَ الاعتراف ذاته..
بل افتقاره إلى أيّ مسوّغٍ درامي!
فانا لستُ متعثّرة، بل متمكنةُ و جيّدة جداً! وهذا بالضبط ما جعل الاعترافَ ثقيلاً علي..
و كأنما هنالِكَ ذنبٌ خفيّ يرافق كراهية ما نُحسنه..
كأن الكفاءة عقدٌ غير مكتوب يُلزمك بالرضا..
وكأنك حين تُمنَح القدرة، يُحرَّم عليك السؤال عن الرغبة.
لطالما جرى تسويق فكرة “التخصص المناسب” على أنها قدرٌ لا يُمحى..
أو ثوبٌ يُفصّل لنا في مقتبل العمر ويجدرُ بنا ارتداؤهُ للأبد مهما ضاق بنا أو بهت لونه.
إن المعضلة لا تكمن في صعوبة المادة العلمية؛, فالعقل البشري قادرٌ على ترويض أعقد المعادلات كما فعلتُ أنا مع التمويل،
ولكن المعضلة الحقيقية تكمنُ في “النشوز القلبي” عن المهنة.
فنحن نعيش في ثقافةٍ تقدس الاستمرارية حتى و إن كانت في الطريق الخطأ!
وتعتبر الانسحاب أو التغيير نوعاً من التذبذب أو الفشل.
لذا، يجد الكثير منا نفسه حبيس سمعةٍ بناها في مجالٍ لا يمثله، فيستحي من هدمها ليبني لنفسهِ منزلاً يناسب روحه.
و ها نحنُ ذا:
نُساقُ سَوْقاُ نحو قوالب جاهزة:
هذا الشخص يتسِّمُ بالعقلانيةِ و المنطِق؟ إذن فليذهب للمحاسبة.
وهذا يتسِّمُ بقدرةٍ عجيبةٍ على الحفظ و يُجيدُ التحدّث بفصاحة؟ إذن فليذهب إلى الأدب العربي.
هذه تحبُّ الألوان و تجديد تنسيقاتِ غرفتِها؟ يا سلام! إذن هي مهندسةٌ داخلية!
متناسين أن أعظم الإنجازات هي تلك التي تزاوج بين المنطق والخيال..
وأن حصر الإنسان في بُعدٍ واحد هو وأدٌ لمواهبه المتعددة و إعدامٌ لتفرُّدِه.
الخصخصة
لم تكن فكرة التخصص الدقيق يوماً قدراً محتوماً أو جزءاً طبيعياً من التكوين البشري كما نتوهم اليوم في عصرنا الراهن.
فلو عدنا بالزمن إلى معظم فترات التاريخ الإنساني، لوجدنا أن البشر عاشوا حياةً مهنية “بوليماثيةً” فضفاضةَ الأدوار، تتسم بالاتّساعِ والتعدد؛
فالفلاح لم يكن مجرد غارسٍ للبذور..
بل كان كيميائياً يعرف تربته، وميكانيكياً يُصلح أدواته، وعالماً بالأنواء يقرأ السماء.
والتاجر لم يكن مجرد وسيط..
بل كان محاسباً يدير دفاتر ديونه، وخبيراً لوجستياً ينظم قوافله، ومفاوضاً ديبلوماسياً يحمي مصالحه.
في ذلك الزمان، لم يكن الإنسان يُختزل في “مسمىً وظيفي” ضيق، بل كان يمارس طيفاً من المهام الوجودية التي تتشابك فيها المهارة اليدوية بالبصيرة الذهنية والخبرة الحياتية المتراكمة.
كان العمل امتداداً للإنسان ككيان كامل، لا مجرد مهمة تُنتزع منه انتزاعاً.
غير أن هذا المشهد الإنساني الفسيح بدأ يتلاشى تدريجياً مع بزوغ فجر التحولات الاقتصادية الكبرى التي رافقت الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
فمع صخب المحركات وظهور المصانع الضخمة، برزت فكرة ثورية كانت كفيلة بإعادة صياغة الوعي البشري بالعمل:
فكرة تقسيم العمل (Division of Labor).
أو ما يمكننا أن نعبّر عنه اختصاراً:
الخصخصة.
لقد صاغ الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث فلسفة هذا التحول بدقة مذهلة في عام 1776 م في كتابه المرجعي
“ثروة الأمم” The wealth of Nations - مستخدماً مثاله الشهير عن “مصنع الدبابيس” كأنموذجٍ حي..
فقد لاحظ سميث أن العامل الواحد، مهما بلغت مهارته، قد يعجز عن صناعة عشرين دبوساً في اليوم فبدلاً من أن يعكف هذا العامل على صناعة الدبوس من ألفه إلى يائه، جُزِّئت العملية إلى مراحل مجهرية متناهية الصغر:
عاملٌ يسحب السلك المعدني،
وآخر يسوّيه،
وثالثٌ يقطّعه بدقة،
ورابعٌ يشحذ الرأس المدبب..
بهذه الطريقة، استطاع المصنع إنتاج آلاف الدبابيس في يومٍ واحد، بينما كان العامل المنفرد بالكاد يُنتج بضع عشرات!
كان هذا الاكتشاف في ظاهره بسيطاً، لكنه كان في جوهره ثورياً ومُزلزلاً:
حين يُحصَر الإنسان في مهمةٍ واحدة، يصبحُ أسرع أداءً، وأدقّ إنجازاً، و أجوَدَ إنتاجاً.
وبالتالي، وُلد من رحم هذه المعادلة ذاك المبدأُ الذي يحكمُ عصرنا:
أن التخصص ليس مجرد خيار مهني، بل هو المحرك الأوحد للكفاءة.
وعلى مدار القرنين التاليين، تمددت هذه الفكرة لتستحيل إلى "عقيدةٍ تنظيمية" تهيمن على كثيرٍ من مفاصل الحياة.
فأصبحت المصانع تقدس الأنظمة التي تهدف الى تقسيم العمل، و سعَت الشركات التجاريةُ إلى تَجزيءِ وظائفها و عملياتها إلى وحداتٍ صغيرة، و شيدت المؤسسات الإداريةُ هياكلها و سلاسل القيادة فيها على أسسِ التخصص العميق..
ومع مرور الوقت، لم يعد التخصص مجرد طريقة لتنظيم العمل،
بل أصبح قيمة ثقافية بحد ذاته.
فأصبح الإنسانُ المعاصر يُحاصر بنصيحةٍ واحدة تتردد على مسامعهِ كترنيمةٍ مقدسة:
حدد مجالك.
صُبّ تركيزك فيه.
أجِد حرفتَك فيه.
و أفنِ العمر في إتقانه.
ومع نشوء الجامعات الحديثة في القرن التاسع عشر، انتقلت هذه الفكرة إلى التعليم.
فتحول هذا الأخيرُ من كونِه رحلة واسعة في فضاءِ المعرفة، إلى "مسارٍ خطّي" ضيق يقود قسراً إلى تخصصٍ بعينه..
اقتصاد.
هندسة.
طب.
قانون.
محاسبة.
الطريقُ واضحٌ و الخارطةُ متوفرة..
و كل ما على الطالبِ فعله هو اختيار مسارٍ واحد
ثم يقضي سنواتٍ طويلة يتعمق فيه،
حتى يصبح, نظريًا على الأقل: خبيرًا فيه.
في الواقع..
بدا هذا النموذج في تلك الفترة من الزمن، منطقيًا إلى حد كبير بل و ضرورياً لتيسير عمل المُنشئاتِ..
فالعالم الصناعي كان يحتاج إلى خبراء متخصصين:
مهندسون لضبط إيقاع الآلة،
محاسبون لترويض تدفق المال،
أطباء لفك شفرات الجسد،
وقانونيون لترميم تصدعات المجتمع..
كان التخصص حلًا ناجحًا لمشكلة حقيقية واضحةٍ تتسائل ملامحها عن كيفية رفع الكفاءة في عالمٍ أصبح أكثر تعقيدًا؟
لكن الأفكار التي تولد كحلول عملية كثيرًا ما تتحول مع الزمن إلى قوالب جامدة.
ومع مرور العقود، لم يعد التخصص مجرد وسيلة لتنظيم المعرفة،
بل أصبح طريقةً لتصنيف البشر أنفسهم..
أصبح الإنسان يُعرَّف غالبًا بتخصصه قبل أي شيء آخر.
هذا مهندس.
هذه محاسبة.
ذلك عالمُ احياءٍ بحرية.
وكأن الهوية المهنية ليست مجرد جزء من الإنسان…
بل الإنسان كله.
ومن هنا، انبثقت المفارقة الكبرى:
فالفكرة التي وُلدت أصلًا لرفع الكفاءة الاقتصادية،
تحولت تدريجيًا إلى نظامٍ يطلب من الإنسان أن يختزل نفسه في بعدٍ واحد..
بل و قد يصل به الأمر الى التزمت و رفض التعاون..
فكم من زميلٍ طرحتَ عليهِ سؤالاً أو طلبتَ منه معونةً فواجهكَ بتلك الرسالة الباردة على البريد الإلكتروني:
“هذا ليس من اختصاصنا..”
ضارباً بعرض الحائط قيم التعاون, و البحث, و شغف الاستقصاء, وفضول السؤال, و إكرام الضيف إغاثة الملهوف و نصرة المظلوم..
فقط لأن أمراً ما “ليس من اختصاصه” و لا يقع ضمن نطاق "مربعه الإداري"، لم يعُد من شأن إنسانيته!
لقد تقلّصت علاقة الإنسان بعمله.
فلم يعد يرى الصورة الكاملة، بل جزءاً صغيراً منها.
نعم.
قد تكون الخصخصة عبقريةُ تنظيميةً لامعةً في بيئة الاعمال المصنعية التي تتعامل مع الجمادات والتروس..
ولكنها حتماً تقف عاجزةً، بل ومشوهةً، في البيئة المكتبية والإنسانية..
تلك البيئة التي تقتضي "جسوراً" لا "جدراناً"..
وتتطلب عقولاً تتنفس المعرفة في شموليتها، لا موظفين يقتاتون على فتات المهام المجزأة، ويحرسون حدود تخصصاتهم كما لو كانت حدوداً جغرافية تفصل بين جزرٍ معزولة في محيطٍ من العبث..
بيئةٌ تقتضي رفع الرؤوس و إجادة لغة الجسد عوضاً عن الطأطأة المستطيلةِ و التركيز المنصبِّ على “شحذ رأس دبوسٍ معدني.”
فجوةُ الانفصال
ماذا لو اكتشفت يوماً ما مثلي انك لا تحب تخصصك الجامعي أو أن المجال الذي تعمل فيه اليوم لا يثير فيك أي شعور بالانتماء؟
هذه ليست احتمالية بعيدة أو أزمة فردية نادرة، بل واقعٌ يعيشه عددٌ كبير من شباب اليوم:
حالة من الانفصال بين اختيارٍ ماضٍ وشعورٍ حاضر.
فالاختيارات المهنية الكبرى—كالتخصص الجامعي, تُتخذ غالبًا في سنٍ مبكرة جدًا من العمر، في مرحلة لا يزال فيها الإنسان في طور اكتشاف ذاته.
في تلك اللحظة، يُطلب من طالب في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة أن يجيب عن سؤالٍ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة سؤال وجودي عميق:
ماذا تريد أن تفعل لبقية حياتك؟
يُتخذ القرار، تُملأ الاستمارات، يُختار التخصص، وتبدأ السنوات في المضي.
وفي هذا السياق يُسوَّق لنا مفهوم شهيرٌ يُطلَق عليه في أدبيات علم النفس الإداري باسم:
الملاءمة بين الشخص والوظيفة - (Person–Job Fit).
يُقدَّمُ هذا المفهوم لنا في أروقة الجامعات، وضمن برامج الإعداد المهني المكثفة، كمعادلةٍ رياضية لا تقبل الجدل؛
معادلةٌ تعدنا بأن السعادة المهنية هي نتاجٌ حتمي لعملية مطابقةٍ بسيطة:
أولاً، تزوّد بالعتاد: احشد في جعبتك أقصى ما يمكن من المهارات التقنية (Hard Skills)، وتعمّق في تفاصيل الأدوات والنظريات حتى تصبح مرجعاً فيها.
ثانياً، حقّق المعيار: برهن على جدارتك من خلال الإنجاز المتواصل، وأتقن تنفيذ المهمة الموكلة إليك بالدقة المطلوبة دون أدنى خلل.
فإذا تحققت هاتان النقطتان، تُبشرنا تلك النظريات بأنك قد وصلت أخيراً إلى مرفأ الاستقرار، وبأنك أصبحت في المكان المناسب تماماً.
وكأنَّ الانسجام المهني هو مجرد 'تطابق قطعٍ' في لعبة أحجية..
لا يهمُّ إن كنتَ تشعر بالألفة مع ما تفعل أم لا، فما دمتَ قد حققتَ الشروط التقنية، فقد انتهى النقاش.
لكن هذا الفهم ,برغم شيوعه, ينطوي على اختزال خطير.
فالملاءمة الحقيقية لا تُقاس بالكفاءة وحدها، ولا تكتمل بالخبرة التقنية بمفردها؛ بل هي خيطٌ رفيع يربط العمل بميول الإنسان، وقيمه، وطريقته في رؤية العالم، وما يمنحه شعوراً حقيقياً بالجدوى.
يعيش الكثيرونَ بسبب خدعةِ “الملاءمة” صراعاً صامتًا بين القدرة (Ability) والرغبة (Affinity).
القدرة تجيب عن سؤال: هل أستطيع القيام بهذا الأمر؟
أما الرغبة فتجيب عن سؤال مختلف تمامًا: هل أريد القيام بهذا الأمر؟
وفي عالم العمل الحديث، تُمنح القدرة وزنًا شبه مطلق.
فالأنظمة التعليمية وسوق العمل يكافئان ما يمكن قياسه: المهارة، الإنتاجية، الإنجاز.
أما الرغبة (وهي أكثر غموضًا وأقل قابلية للقياس) فغالبًا ما تُؤجَّل أو تُهمَّش.
و في كثيرٍ من الاحيان, ستجد ذاتك تضحي بما تريد لتنجزَ ما تستطيع..
لتستمر الحياة..
لتجتنب “وجع الراس”..
ليس لأنك عاجز..
بل لأن عقلك المنضبط يرفض الفشل..
حتى في مسارٍ لا يشبهك.
في علم النفس التنظيمي، يقود هذا التباين إلى حالة أعمق تُعرف علمياً بـ الاغتراب الوظيفي (Work Alienation)..
حالة يكون فيها الأداء مرتفعًا، والانخراط النفسي منخفضًا, و فيها تتحوّل المهارات من أدوات تحقيق ذات إلى آليات دفاعية للبقاء.
تعملُ و تُنجِز لا لأن العمل يعبّر عنك أو لأن المهام تحمل نكهةً و معنى،
بل لأنك لا تُطيقُ تخييبَ آمال “الواجهةِ الصورية” التي ترسّخت في أذهان الآخرين.
و هنا ستعيشُ هذه المقولة حرفياً:
إتقانُكَ ما لا تُحب يجعلُكَ أسيره.
و لا يمتلكُ الجميعُ, للأسف.. رفاهية التوقفِ و التراجعِ للوراء..
يقولُ المرءُ لنفسه:
لقد استثمرت سنوات من الدراسة! يجب أن ألتزم بما درست!
بنيت سمعة مهنية في هذا المجال, لا يمكنني التضحية بها!
لا يمكنني التراجع الآن! هذه خسارة فادحة و مضيعةٌ للعمر!
فيُؤثِر الاستمرار…
لا لصحةِ الطريقِ ولا لجمالِ السعي فيه،
بل لأن العودة تبدو مكلفةً جداً.
و في الختام..
إننا اليوم، يا قارئي، لا نعاني من نقصٍ في الكفاءة، بل نعاني من وفرةٍ في الأرواح المُعطلة.
لقد نجح العالم في شحذ "رأس الدبوس"، لكنه فشل في حماية "روح الإنسان".
فبينما نجحَ جنسنا البشري في بناء مؤسساتٍ تعمل بأعلى معايير التنظيم و الكفاءة المتناهية..
فشلَ للأسف, في بناء فضاءاتٍ تسمح للإنسان بأن يكون كياناً شمولياً..
يجمع بين منطق المحاسب وخيال الفنان، بين دقة الإجراء ورحابة المعنى.
لا تكمُنُ المعضلة في كوننا “أسرى” نُتقن ما لا نحب، بل في أننا نعيشُ في نظامٍ أقنعنا بأن هذا هو “النجاح”.
إن الخسارة الفادحة التي نخشاها ليست في سنوات الدراسة أو المسمى الوظيفي الذي بنيناه..
بل في تطويع النفس لإجادةِ دورٍ لا يشبهها حتى أنساها ذِكر ملامحها.
فالكفاءة بلا انتماء هي نجاحٌ "إجرائي" وفشلٌ "وجودي"..
ربما نكون قد انسقنا يوماً نحو قوالب جاهزة، وربما نكون الآن أسرى لما نُحسن..
ولكن، حتى وأنت تطأطئ رأسك لتُنجز "شحذ السلك"، تذكر دائماً أنك لست "جزءاً" من دبوسٍ في مصنع آدم سميث.
أنت إنسانٌ كامل، متعدد الأبعاد، وصاحب حكاية لا يحدُّها "مربع إداري" ولا يختصرها "قيد محاسبي".
و اعترافُكَ بـ “عدم الحب” ما هو إلا الخطوة الأولى لاستعادة ذاتك.
فلا تصطنِع من معدلك المرتفع أو لقبك الوظيفي البراق كفناً لطموحك الحقيقي.
فالمالُ و الوسائلُ و التقنياتُ و المهاراتُ المتراكمة لا تغني شيئاً إن لم تُسمِنُ فيكَ جوعكَ للمعنى.
هلُّم و ابحث عن ذلك المضمار الذي لا تحتاج فيه للتظاهر..
حيث تكون عبقريتك فيه نابعةً من دهشتك، لا من إرغامك لنفسك على الفهم..
و تملّك الشجاعة لتسأل نفسك اليوم:
"هل أنا هنا لأنني قادرٌ وحسب.. أم لأنني حقاً راغِب؟"












تبارك الرحمن كلامك راق في خاطري
خاصة و انا في هذه المرحلة الحاسمة لاختيار تخصصي
كانت هناك مقولة سمعتها في طفولتي يوما لقد ترسخت عندي و لكن لم افهمها
_اكبر هدية يمكن ان تقدمها لنفسك هي ان تمتهن ما تحب و تختار لنفسك ما ترغب _
حقا بعد قرائة هذا المقال قد فهمتها
لانه في قانون التوظيف اصبح الانسان اسير تخصصات برع فيها اكادميا و طاب قلبه عنها تطبيقيا
بارك الله فيك اختاه
أقدر آخذ اقتباس من النص وأنشره؟