#061- لماذا نحب التعقيد
عن نزعة التعقيد و مقاومة السهولة كآلية دفاع نفسي
أحييكُم بتحيةِ الإسلام فالسلام عليكم و رحمة الله و بركاته…
نًجدِدُ اللقاء معكم و في جُعبتنا شذراتُ جديدة و خواطِرُ إلهامية نرجو من اللهِ أن تُلامس قلوبَ مَن يُصادِفُها و أن تكونَ سبباً في خيرٍ كثيرٍ لكُلِ مَن يُضحي بِدقائقِ وقتهِ الغالية من أجل الخوضِ في رِحابِها ..
فلكم منا جزيلُ الشكرِ و خالصُ المودةِ و العِرفان ..
تخيّلْ نفسَك جالسًا في قاعة امتحان.
الورقة بين يديك، العرق يتصبّب من جبينك، والعين تبحث عن المأزق لا عن الجواب.
وفجأة، يظهر أمامك سؤالٌ في غاية البساطة..
تجده بوضوح الشمس: سؤال مباشر، لا غموض فيه، ولا حيلة لغوية.
ما هو أقرب نجمٍ لكوكبِنا؟
فتحدّق فيه طويلًا، وتبدأ الشكوك.
هل هذا فخ؟ هل أخطأتُ الفهم؟ هل هناك خدعة بين السطور؟
تُراجع السؤال ثلاثًا، وتستشير المنطق والتجربة والتاريخَ…
ثم تهمس في داخلك: «يُستحالُ أن يكونَ الأمرُ بهذه البساطة!».
فتُسرف في التحليل، تُقحِم معلومات لا صلة لها، وتُهدر وقتك محاولًا "فهم ما بين السطور"، لتكتشف لاحقًا أن الجواب البسيط و المباشر كان هو الصحيح.
أليست هذه الحيلة الذهنية مألوفة؟
أليس فينا من إذا أتاهُ الحب نقيًّا ظنّه خداعًا؟
ومن إذا طُرح عليه حلّ واضح، احتقره لأنه لا يُرضي غروره المعقّد؟
ومن إذا صادفتهُ فكرةٌ بسيطة، استصغرها لأنه لم يجد في فهمها كدحاً أو معاناة؟
في زمنٍ يُقدَّس فيه العمق، ويمجَّد فيه التعقيد،
أصبحنا نُعامل السهولة و التيسير وكأنها عدُوّ لدود يُظهرُ ودّاً و يُخفي خُبثاً.
وكأنّنا لا نثق بشيء إلا إذا أتعَبَنا قبل أن نحصل عليه.
ولا نرتاح لمفهومٍ إلا إذا أرهقنا قبل أن تهضمَه عقولنا.
و كأننا ذاكَ الذي يظُنُّ أنَّ الطُمأنينةَ «كمين»
وكأنّ التعقيد يمنح الشيءَ, كان ما كان, «هيبةً عقلية» أو حظّاً من القيمة..
و كأنّ الأمور البسيطةَ حين تتجلّى ببساطتِها و وضوحها..
أجملُ و أبعَدُ مِن أن تكونَ واقعاً..
أو كما يقول إخوتُنا في اللسان الأعجمي:
«Too Good To Be True»
ولكن لماذا يحدث هذا الأمر؟
لماذا نجد أنفسنا على شفا جُرفٍ هارٍ و كأنّنا اعتدنا صُحبة القلقِ و المتعسراتِ من الأمور؟
لماذا يتملّكنا الشك كلّما بدت الأمور شديدة الوضوح؟
ما الذي يجعل عقولنا تميل إلى رفض السهولة، وكأنها علامة على الغباء أو السطحية؟
كيف تحوّلت السهولة من نعمةٍ إلى تُهمة؟
ولِمَ نجد ذواتنا في صراعٍ مع كُلِّ غرَضٍ يُقدّمُ لنا احتمالية الراحةِ على طبقٍ من ذهب؟
ولماذا يزرع بعضنا مساميرَ المستحيلِ و يغرزُ أقماعَ العسيرِ في طريقه، فقط لِيشعر بأنّه بذل شيئاً من الجهد؟
هل يمكن أن يكون تعقيد الأمور البسيطة آلية دفاع نفسي؟
أم أنّ “الطريق السهل” ليسَ حتماً أهلاً لأي شكلٍ من أشكالِ الثقة؟
لماذا نميلُ إلى المبالغة، التكويم، اللف و الدوران, أن نُطيل الطريقَ ولو كانت مُمّهددةً و قصيرة.
أيمكن أن يعود السبب لكوننا نخشى من أن نقع في شباكِ تأنيبِ الضميرِ لاحقاً؟
أم لأننا حقاً أصبحنا نربط القيمة بـ”المعاناة”..
فنظنّ أنّ كُلَّ ثمينٍ لا بدّ لهُ مِن أن يُنتَزع من بين أنياب الصعوبة و براثِنِ الشقاء..
انحيازُ التعقيد
لعلّ أول ما ينبغي إدراكه، قبل أن نُدين عقولنا أو نُشكّك في سلامة تفكيرنا، هو أنّ ميلنا إلى تعقيد الأمور ليس عيبًا فرديًا ولا قصورًا ذهنيًا. بل هو تحيّز معرفي معروف، له اسم، وله تاريخ، وله آثار موثّقة في البحث العلمي.
إنه ما يُعرف بـ تحيّز التعقيد – Complexity Bias.
ويُعرَّف تحيّز التعقيد بأنه نزعة ذهنية تجعلنا نمنح الأفكار والتفسيرات المعقّدة قدرًا من المصداقية والهيبة يفوق ما تستحقه، فقط لمجرّد كونها معقّدة, حتى حين تبدو البدائل الأبسط أكثر منطقية ودقّة وفعالية.
بعبارةٍ أخرى:
إذا استُعرِضَت أمامنا فرضيّتَان متنافستَان لتفسير ظاهرةٍ ما، سيميلُ العقلُ, في الغالب, إلى ترجيحِ التفسيرِ المُعقّد: الأكثر تشعّبًا، والأغزر زعماً، والأثقلِ اصطلاحاً..
لا لأنه الأصح، بل لأنه يبدو كذلك.
و كما ذكرنا سابقاً..نحن لا نُقصي التفسيرَ البسيط لأنه مُشوَّبٌ بالخطأ، بل لأننا نُشكِّكُ في بساطته.
فنقول في سرّنا: «Too Good To Be True»، لا لخللٍ فيه، بل لأنه لم “يختبِرنا” بما يكفي.
و حتى نبني فهماً أشملَ و أوسع لنزعةِ التعقيد, ينبغي علينا تسليطُ الضوءِ على مصطلحاتٍ ثلاث:
التعقيد، البساطة، والفوضى.
التعقيد (Complexity):
وهو, كما يعرّفه قاموس كامبريدج: حالة وجود عناصر كثيرة تجعل الفهم أو الوصول إلى إجابة أمرًا صعبًا.البساطة (Simplicity):
وهي نقيض ذلك؛ ما كان سهل الفهم، واضح المسار، قليل الافتراضات.الفوضى (Chaos):
هي حالةٌ من الاضطراب و الارتباك، تفتقرُ فيها المسائلُ إلى نظامٍ واضح ولا تمتلِكُ قابليةً حقيقية للتنبؤ.
المشكلة لا تكمن في التعقيد ذاته، فالعالم بلا شك يحتوي أنظمةً معقّدة: جسدُ الإنسان، تكوينُ المجتمع، مُجرياتُ الاقتصاد، قوانينُ الطبيعة..و القائمة تطول.
لكن الإشكالَ يبدأ حين يُسيءُ المرءُ الخلطَ بين التعقيد والفوضى و يرفُضُ البساطة لأنها لا تُشبع حاجته إلى الشعور بالسيطرة.
كما قال كونفوشيوس منذ قرون:
«الحياة في حقيقتها بسيطة، لكننا نُصرّ على تعقيدها».
فلننظر إلى مثالٍ توضيحي لنفهم الفكرةَ أكثر:
في إحدى السنوات، شهدت شعبةٌ معينةٌ في المدرسة تدهورًا جماعيًا في درجات مادة الأحياء.
لم يكن مجرد تراجعٍ فردي، بل هبوطٌ جماعي أثار الذعر في أروقة الإدارة.
استنفر مدير المدرسة، وتسارعت خطوات الوكلاء والموظفين في الممرات، بينما بدا أستاذ المادة مأخوذًا بصدمةٍ مهنية؛ بدأ يراجع أساليبه، يحاسب طريقته في الشرح، يعيد النظر في توزيع الوقت، ويبحث عن حلول مبتكرة لانتشال طلابه من هذا الفشل.
انعقدت الاجتماعات، وتكثّفت المتابعات، وكثرت الاقتراحات: مراجعات إضافية؟ تغيير أسلوب التدريس؟ اختبارات قصيرة لمعرفة مكامن الضعف؟
كل هذا الحراك، فيما كانَ طلاب الصف يهمسون لبعضهم البعض:
«لو لم تكن حصة الأحياء هي الأخيرة في الجدول، لما كنّا بهذا القدر من الإرهاق كل مرة!»
هنا تتجلّى صورة تحيّز التعقيد بأوضح ملامحه.
فما واجهته الإدارة والمعلم لم يكن نظامًا معقّدًا يحتاج إلى تفكيك طبقاتٍ عميقة، بل حالةً من الفوضى الظرفية الناتجة عن عاملٍ بسيط ومباشر: الإرهاق.
لكن حين بدا الانخفاض جماعيًا، فسّره العقل المؤسسي على أنه خللٌ بنيويٌّ جسيم، لا يُعالَج إلا بحلول كبيرة تليق بـ«حجم الأزمة».
فانطلقت العقول تبحث عن أسباب معقّدة:
في المنهج، في أسلوب الشرح، في قدرات الطلاب، في أدوات التقييم.
أما التفسير الأبسط (توقيت الحصة في آخر اليوم) فقد بدا ضئيلاً، لا يرقى إلى مستوى الهلع، ولا يمنح من يطرحه شعورًا بأنه أمسك بالمشكلة من جذورها.
وهنا يحدث الخلط الخطير: الفوضى الناتجة عن ظرفٍ بسيط تُقرأ على أنها تعقيدٌ هيكلي،
والبساطة تُستبعَد لأنها لا تُشبع الحاجة النفسية للشعور بالسيطرة، ولا تُرضي وهم «التحليل العميق».
الطلاب، بوصفهم من يعيشون التجربة, كانوا يرون الحقيقة من زاوية أخرى.
لم يكونوا في حاجةٍ إلى اجتماعات مطوّلةٍ ولا إلى استبيانات مكثفة، لأنهم وجدوا الأثر في أجسادهم قبل أوراقهم:
تعبٌ متراكم، ذهنٌ مُنهك، وقدرة محدودة على الاستيعاب في آخر اليوم.
وهكذا، كادت المشكلة أن تتحوّل إلى أزمةٍ مصطنعة، لا لشدّتها، بل لأن العقل رفض أن يقبل أن تغييراً بسيطاً في موضِع حصة الأحياءِ من الجدول الدراسي قد يكونُ حلاً جذرياً للمسألة.
لماذا تستهوينا التعقيدات؟
الغريب في تحيّز التعقيد أنه يبدو، للوهلة الأولى، عكس بقية التحيّزات المعرفية.
فمعظم الانحيازات الذهنية تنشأ لأن عقولنا تميلُ إلى التكاسُل و تسعى لتوفير الجهد العقلي..
تحيّز التأكيد, تحيّزُ الوفرة, تحيّزُ الإرساء (أو التثبيت),تحيّزُ التمييز, و غيرها الكثير: جميعها تلعبُ أدواراً مُشابهة!
اختصارُ التفكير، استعجالُ الحكم، اجتنابُ المراجعة..
أما تحيّز التعقيد، فيدفعنا إلى المزيد من التحليل، والمزيد من الافتراضات، والمزيد من الالتفاف.
فلماذا نُرهق أنفسنا؟
الجواب:
ليس حبًّا في الحقيقة، بل هروبًا منها.
حين نُواجه مشكلة بسيطة، يصبح الحل مسؤولية مباشرة.
لكن حين نُغرقها في التعقيد، نمنح أنفسنا مخرجًا:
فنُسِرُّها:
“الأمر معقّد… إذًا لا بأس إن لم أفهمه تمامًا.”
“يبدو أنني لست وحدي من يعجز عن استيعاب المسألة، لا بد أنها معقّدة فعلًا.”
بهذا المعنى، يصبح تحيّز التعقيد استجابةَ هروبٍ ذهنية.
نحن لا نُعقّد الأمورَ لأنّ الواقع يتطلّب ذلك..
بل لأنّ الوضوحَ يُهددنا. يُقيِّدُنا. يُقلِقُنا. يُرعبُنا.
فلنُسلِّط الضوءَ على بعضِ التجاربِ الواقعيةِ التي تناوَلت ظاهرةَ نزعةِ التعقيد:
❖ تجربة الأرقام: حين نفقِدُ الثقة
في عام 1989، أجرى الباحثان Hilary F. Farris وRussell Revlin دراسة تجريبية بعنوان:
“Sensible reasoning in two tasks: Rule discovery and hypothesis evaluation”
لقياس الكيفية التي يستجيب بها العقل البشري للتعقيد والبساطة أثناء التفكير الاستقرائي..
كانت المهمّة في ظاهرها، سهلةً للغاية:
يقدِّمُ الباحثُ للمشترِك تسلسلاً عددياً بسيطاً مثل: 2، 4، 6
ثم يطلبُ منه أن يخمّن ما هي القاعدة الحسابية التي تنطبق على هذا التسلسل، وذلك من خلال اقتراح تسلسلات بديلة وسؤال الباحث إن كانت صحيحة أم لا.
القواعد الصحيحة كانت ببساطة: “أي ثلاثة أرقام تصاعدية” : سواءً كانت (1، 2، 3) أو (3، 5، 100)..
جميعها تُحققُ القاعدة.
لكن المفاجأة؟
معظم المشاركين فشلوا في التوصّل للقاعدة، لأنهم و ببساطة, عجزوا عن تقبُّلِ بساطة الأمر!
بدلًا من ذلك، بدأ المشتركونَ في صياغةِ التعقيدِ بأنفسهم:
“لا بد أن يكون الفرق بين الأعداد ثابتًا.”
“كل رقم يجب أن يكون مضاعفًا للرقم الذي يسبقه.”
“العدد الأخير = مجموع الرقمين السابقين.”
“هل هي متتابعةٌ حسابية أم هندسية؟”
“فيبوناتشي؟”
إلخ...
العقل، في هذه اللحظة، لم يكن يبحث عن الحقيقة،
بل عن تفسيرٍ يُشعر صاحبه بأنه فكَّ لغزًا حقيقيًا.
وهنا تظهر أول إجابة عن سؤالنا: لماذا تستهوينا التعقيدات؟
لأن التعقيد يمنحنا شعورًا زائفًا بالذكاء.
نميل إلى التعقيد لأننا نعيشُ صراعاً داخلياً: فإذا لم يُرهقنا الحل، شككنا في صحته. وإذا لم يتطلب منا مجهودًا، استصغرناه.
فنختار التعقيد، لا حبًّا بالحقيقة، بل دفاعًا عن تصوراتِنا الذهنية حيالَ أنفسنا و قدراتِنا.
❖ تجربة الضوضاء: حين نفتعِلُ الأنظمة
في تجربة ذائعة الصيت أجرتها الباحثة Helena Matute، تم اختبار سلوك الناس أمام أنظمة عشوائية لا تملك نمطًا حقيقيًا.
وُزِّعَ المشاركون إلى ثلاث مجموعات:
مجموعة المراقبة (Control): طُلب منهم الجلوس فقط والاستماع إلى أصوات ضوضاء تُصدَر من مكبّرات صوت على فترات مختلفة.
مجموعة الهروب (Escape): قيل لهم إنهم يستطيعون إنهاء الصوت عبر القيام بسلوكٍ معين (كأن يضغطوا زرًا أو يؤدوا حركة).
هنا يمتلِكُ المشاركونَ فعليًا قدرة حقيقية على التأثير في النتيجة. كل مرة يضغطون فيها زرًا معينًا، يكون لهذا الفعل أثر واضح على النتيجة (مثل تقليل صوت، أو إنارة مصباح، أو إيقاف شيء مزعج). مع الوقت، يلاحظ المشتركونَ العلاقة بين الفعل والنتيجة، فينتهي بهم المطافُ إلى إدراكِ حقيقةِ قدرتهم على التحكم.
المجموعة الثالثة (Yoked): قيل لهم كما قيل لمجموعة الهروب، لكن في الحقيقة… لم يكن هناك أي علاقة بين أفعالهم وبين توقف الصوت. بمعنى: لا يتوقف الصوت حصراً عند حدوث السلوك.
ما الذي حدث؟
لم يدرك أيٌّ من المشاركين في المجموعة الثالثة أن الصوت يعمل عشوائيًا، دون علاقة بفعلهم.
بل بدأوا باختراع “طقوسهم” الخاصة:
أحدهم يرفع يده بعد كل صوت.
آخر يضغط على الزر ثلاث مرات ثم ينتظر.
ثالث يلف رأسه ثم يتوقف.
كلهم آمنوا يقيناً بأن هنالك نظامًا خفيًا في المسألة.
وهنا يكمن العمق: عقولنا لا تحتملُ الفوضى.
فحين لا ترى نمطًا منطقياً، تخترعُه.
وحين لا تجِدُ نظامًا، تَتَوهّمُ وجوده.
هذه التجربة ليست استثناءً.
فقد رأينا أمراً مشابهًا في تجارب B.F. Skinner، الأبُ الروحي لنظريات التعلّمِ الاستثابي (السلوك مرتبط بآلية الثواب و العقاب), حين وضع حمامًا في أقفاص مزوّدة بآلية عشوائية لتوزيع الطعام.
حيثُ بدأت الطيور، بمرور الوقت، تظن أن تصرّفاتها هي ما تُسبب نزول الطعام.
أحدها يدور في القفص
آخر ينقر الزاوية
ثالث يحرّك رأسه بانتظام
كلهم أصبح لديهم “طقسٌ” معينٌ ظنًّا منهم أنهم يسيطرون على النظام.
لكن الحقيقة؟
لم يكن النظامُ موجودًا من الأساس.
وهنا تأتي الإجابة الثانية: لماذا تستهوينا التعقيدات؟
لأن التعقيد يمنحنا وهم التحكم.
فنحنُ بطبيعةِ الحال, نفضّل الإيمانَ و التصديقَ بوجود نظام معقّد على الاعترافِ بافتقارنا للسيطرةِ و أن الأمور خارجةٌ عن إرادتنا كُليّاً.
فالفوضى تُشعرنا بالعجز، أما التعقيد, حتى و إن كان محض وهمٍ , فإنه يُحيطنا بشعورٍ من الطمأنينةِ بأن هنالِك منطقًا يمكن اللجوءُ إليه و الاتكّالٌ عليه.
فنخترع العلاقات، ونربط الأسباب، ونؤمن بالأنماط…
لا لأنّها حقيقية، بل لأن الاعترافَ بالفوضى و العشوائية أمرٌ قاسٍ.
مُصادقةُ التعقيد
بينما كنتُ أخطط لكتابة الجزئية الأخيرة من نشرتي هذه, وقعتُ في حيرةٍ بين توجهين هُما:
هل أنهي النشرة بقسم توعوي و إرشادي بكيفية اجتناب انحياز التعقيد؟
أم أُنهي النشرة بتوجهٍ مغاير يُعيدُ النظرَ في فكرةِ التعقيدِ بصفتِها عوناً لا فرعوناً؟
و يبدو أنني أميلُ إلى الاتجاهِ الثاني لأنني أوقِن بالطبيعةِ الازدواجيةِ للأمورِ الحياتيةِ حتى و إن كانت في ظاهرها شرّاً مستطيراً, إلا أنها, إن تم التعامل معها بوعيٍ و نظرةٍ مختلفة, يمكنُ أن تصبح مصدرَ دعمٍ لا يستهان به.
و لكن إذا كنتَ ترغبُ في التخلص من التعقيد في طريقةِ تفكيرك بالأمور و حل المشاكل, فالأمر بسيط:
كل ما تحتاجه هو أن تتذكّر أداةً فكريةً بسيطةً تدعى: شفرة أوكام (Occam’s Razor)
و معناها هو:
“لا تُفسِّر شيئًا بأكثر مما يحتاجه من الفرضيات.”
اختر التفسير الأبسط، إن لم يكن لديك دليل كافٍ يدفعك للتعقيد.
ففي غياب البيّنة، تكونُ البساطة هي القاعدةُ الأساسية.
تأمل في الأحكام الفقهية:
الأصل في الأمور الإباحة ما لًم يرِد دليلٌ بالتحريم.
انتهى. لا تعقيدَ ولا تأليف!
و إنما عودةٌ مباشرةٌ إلى مصادر التشريع الأساسية و البحث فيها عن دليل واضح للتحريم. فإن لَم يتواجد, فإن الأصل الإباحة, و قد يتحفظُ الفقيه عن إصدار فتوى صريحة و حكمٍ واضحٍ حتى يتأكد.
و كثيراً ما نرى ذلك في مستجداتِ العصر التي حينما يُسأل عنها الفقهاء, فإن كثيراً منهم يجيبُ بصراحةٍِ قائلاً: لا زلتُ متوقفاً عند هذه المسالة و لكنني لا أفيد بالتحريمِ.
و إن كانت نفسه تميلُ إلى تحريمِ أمرٍ ما, فإنه لا يُفتي مباشرةُ بالتحريم دون الاستنادِ إلى دليل واضح, و إنما يجيبُ بطريقةٍ أخرى هي أقربُ إلى النصح و الإرشاد و التحذير.
عامِل الأمور جميعها بهذا المبدأ.
فعلى سبيلِ المثال:
تذكر كل مرةٍ تأخر فيها شخصٌ ما على الردِّ على رسالةٍ نصيةٍ أرسلتها له.
التفسير 1:
مشغول - نسي الرد - لم ينتبه للرسالة.
التفسير 2:
يكرهك سرًا ولا يُطيقُ تلّقي رسائلِك أبداً، ويدبّر خطة لإقصائك من حياته!!
قد لا يكونُ التفسيرُ الأبسطُ هو التفسيرَ الصحيح كُل مرة، و لكنه التفسيرُ الذي يوفر عليك عناءَ تضخيم الأمورِ و يُتيحُ لكَ نقطةً مُرجّحةً لابتداءِ عمليةِ البحث عن الإجابات و الكشف عن الأدلة التي قد تقتضي استدعاءَ التفاسيرِ المعقدة.
هذا كلُّ شيء.
و لنتحدث الآن عن مصادقة التعقيد و استعمالهِ كأداةٍ لإثراءِ حيواتِنا و ملئِها بالتفاصيلِ المُبهِجة.
و لعلّني لاحظت ذلكَ كثيراً في طقوس أصحاب “القهوةِ المُقطّرة”..
فكنت دائماً أتسائلُ “لماذا كل هذا التعقيد من اجل كوبِ قهوة؟؟”
و لكنني حينَ بدأتُ بتعلّمِ طريقةِ صنع الماتشا, و وجدتُ نفسي أبحث عن أنواعِها و أدواتِ صناعتها و أُقلّبُ بين المقاطع التعليمية لأُتقِنَ نسب الحليبِ و العسلِ و أضبِطَ درجة حرارةِ الماء و أتعلّم طُرق الخفقِ الصحيحةَ بالفرشاة الخشبية..
فهمتُ تماماً كيف يمكنُ للتعقيدِ أن يُضفيَ على المُسلّماتِ طعماً غنيّاً يجعلنا نرتشفُها بلذّةٍ بدلاً من تجرُّعِها بتلقائيةٍ آلية.
ففي هذه الأحيان, لا يكون التعقيدُ ناشئاً من رغبةٍ في “الشقاء” أو من ربطٍ باطنيٍّ بين القيمةِ و العناء..
بل قد يكونُ السبب نابعاً من محاولاتٍ إنسانيةٍ لمقاومةِ الرتابةِ..
أن نُبطئَ مرورَ الزمن قليلًا، و أن نمنح التفاصيل الصغيرة فرصةً لِكي تُدهشنا من جديد.
تمامًا كما يفعل الطاهي الذي يُحوّل بيضةً مسلوقة إلى طبقٍ إبداعي مكلّلاً بالتوابل والزينة،
وكما تفعل صانعة العطور حين تُمضي شهورًا في مطابقة النِسب،
وكما يفعل الهاوي حين يصنع من شرب قهوتِه لحظة تأملٍ شاعرية.
كل هؤلاء لا “يُعقّدون” الأمور ليُظهروا عبقريّتهم،
بل لأن التفاصيل تُشعرهم بالحياة.
باختصار, لِتكُن هذه هي القاعدة التي تتبناها لحياتِك حين تتعامل مع انحيازِ التعقيد:
انتهِج البساطة في المعضلاتِ و المشاكل،
و طالِب بالتعقيد في الذوق، في الفن، في الطقوس، في الحب، وحتى في الشغف.
و تذكّر أنّ الانسانَ بطبعه يبحثُ عن وصفة دوائيةٍ بسيطة إذا ما مرِض…
لكنّهُ حتماً لا يريدُ أن تُختزَلَ علاجاتُه كلّها على هيئة أقراصٍ يبتلعها صُبحَ مساء..
فالشمسُ علاج, و الحساءُ الشهيُّ علاج, و الحمّامُ الدافئُ علاج, و الكمّاداتُ المُهدّئةُ علاج, و مشروبُ العسلِ بالليمونِ علاج, و الحبُّ علاج و الاحتواءُ علاج.














ماشاء الله من امتع المقالات اللي اشعر انها غذتني بالذات فقرة التعقيد من اجل مقاومة رتابة الحياة فعلا ماعرفت وش اسميه لكن الاسم اعجبني
نشرة ممتازة، شكراً لكِ