#059-انتظر قليلاً
في التأني السلامة
أحييكُم بتحيةِ الإسلام فالسلام عليكم و رحمة الله و بركاته...
نًجدِدُ اللقاء معكم و في جُعبتنا شذراتُ جديدة و خواطِرُ إلهامية نرجو من اللهِ أن تُلامس قلوبَ مَن يُصادِفُها و أن تكونَ سبباً في خيرٍ كثيرٍ لكُلِ مَن يُضحي بِدقائقِ وقتهِ الغالية من أجل الخوضِ في رِحابِها ..
فلكم منا جزيلُ الشكرِ و خالصُ المودةِ و العِرفان ..
توقف للحظةٍ و فكِّر جيدًا…
متى كانت آخر مرةٍ انتظرت فيها شيئًا دون أن تشعر بالملل أو الضجَر؟
متى كانت آخر مرةٍ قرأت فيها مقالًا طويلًا دون أن تُسرع إلى الخاتمة؟
متى كانت آخر مرةٍ قُدت فيها سيارتك دون أن تتفقد هاتفك عند كل إشارة ضوئية؟
متى كانت آخر مرةٍ جلست فيها في مطعم، تنتظر وجبتك بصمت، دون أن تمتد يدك تلقائيًا إلى هاتفك لتشتت نفسك؟
متى كانت آخر مرةٍ انتظرت فيها دورك في طابور دون أن تشعر بالحاجة المُلحّة لفعل شيء آخر؟
لقد نشأنا على عبارةٍ كثيراً ما ترددت على مسامِعنا منذ نعومة أظفارِنا..
“في العجلةِ الندامة, و في التأني السلامة”
ولكن.. أين نحن اليومَ من هذه العبارةِ و من هذه الحكمة ؟
في عالم اليوم، لم تعُد قدرةُ المرء على ممارسةِ التأني و الصبر مجرد فضيلةٍ سامية..
بل أصبحت مهارةً مهددةً بالانقراضِ, بلْ و شبه منقرضةٍ أصلاً !
تأمل معي..
لقد تم تصميمُ نمطِ حياتنا الحديثةِ بدقةٍ عاليةٍ ترتكزُ على الفوريةِ و سرعةِ الاستجابة, بحيث أصبح كل شيء متاحًا بِكبسةِ زر:
- الطعام يصل إلى بابك خلال دقائق.
- الأفلام والمسلسلات تُعرض دفعة واحدة، فلا حاجة للانتظار أسبوعًا للحلقة التالية.
- الأخبار تصل إليك فور حدوثها، لم يعد علينا انتظار الصحف كل صباح.
- حتى المشاعر والعلاقات باتت تُستهلك بسرعة: محادثات سطحية، لقاءات خاطفة، وانجذابات تنطفئ قبل أن تتولّد.
و لكن…
هل خطر لك من قبل.. ما إذا كان هذا العالم الذي يمنحك كل شيء فورًا، يمنحك السعادة بالسرعة ذاتِها؟
لماذا، رغم هذه الوفرة الفورية، نشعر بعدم الاكتفاء؟
لماذا أصبحنا أقل رضاً، أقل استمتاعًا، وأكثر توترًا من أي وقت مضى؟
لماذا، كلما حصلنا على شيء بسرعة، وجدنا أنفسنا نسعى للمزيد دون استشعارٍ لِلَذةِ ما نملك؟
ربما حان الوقت لنعترِف لذواتِنا..
بأننا تجرّدنا و تسلّخنا من قدرتنا على ممارسةِ فن الانتظار.
هذا الفنُّ المنسِيُّ الذي لم يعد مجرد فراغٍ نملؤه..
بل أصبح شعورًا غير مُحتمل و غيرَ مُرحّب..
لحظة يجب أن تُشغل بأي شيء، بأي وسيلة، بأي إلهاء.
فقدنا قدرتنا على تركِ الأمورِ لحُريتِها في أخذِ وقتها الطبيعي و مجراها المناسب..
لم نعد نتقبل أن بعض الأمورِ تحتاجُ إلى شيءٍ من التأني لتُبنى..
و أنّ بعض المُتَع تحتاج إلى بعضٍ من الوقتِ لتنضج..
و أنّ بعض الأحلام لا تأتي فورًا كيفما نشاء.
الخسارةُ الحقيقية
أينَ تكمُن التكلفةُ الحقيقيةُ في خسارتِنا لمفهومِ الانتظارِ و التأني و تجرُّدِنا من شيمةِ الصبر؟
حين اختفت فترات الانتظار من حياتنا، لم تختفِ وحدها، بل أخذت معها شيئًا أعمق..
فقد أخذت معها لذّة الترقب، متعة التوقّع، سحر الأشياء التي تأتي في وقتها الصحيح، لا حين نُطالب بها فورًا.
تفكّر للحظة :
– هل هناكَ أي وجهِ مقارنةٍ مابينَ طعم الوجبةِ التي طلبتها في ثوانٍ عبر التطبيق و بينَ تلكَ التي انتظرتها لمدةِ ساعةٍ و نصف وهي تُطهى بحُبٍّ بِيديْ أمِّك التي كثيراً ما تُعاوِدُ زيارتَها في مطبخِها لتسألها: متى يجهَزُ العشاء؟
– هل هناكَ أي وجهِ مقارنةٍ مابينَ متعة إنهاء مسلسلٍ كاملٍ في يوم واحد و بينَ تلكَ الحماسةِ التي تعيشُها أنت و عائلتُكَ في انتظار عرضِ الحلقةِ القادمةِ نهاية الاسبوع و اجتِماعِكُم في غرفةِ المعيشةِ و في يدِّ كلٍّ منكم كأسٌ دافئٌ من الشاي؟
– هل هناكَ أي وجهِ مقارنةٍ مابينَ فرحة استلام كتابٍ جديد بضغطة زرٍ و بين تسكُّعِك في أروِقةِ متجَر الكُتُبِ و متعةِ البحث عنه في أحضانِ الأرفُف، تِلكَ الشهقةُ التي تُطلِقُها حين تجِدُه أخيراً و تِلكَ الانغماسةُ التي تقضيها بين صفحاتِه واقفاً أمام الرفِّ قبل أن تُكمِل رحلتكَ الشرائية؟
– هل هناكَ أي وجهِ مقارنةٍ مابينَ تلكَ العلاقات التي تتشكل سريعًا وتخبو بشكلٍ أسرع لسطحيتِها و ركاكَتِها، و بينَ تلك التي بُنيت عبر الزمن، خطوةً بخطوة، قِطعةً بقِطعة, وواجهت اختبارات الزمن و تحدّياتِ الحياة؟
لقد اعتدنا السرعة.
حتى أصبحت لِزامَ حالِنا و طبيعةَ أمرِنا..
لقد تمّت برمجةُ توقعاتِنا و أصبحت سلوكياتُنا الاستهلاكيةُ عصاً تُوّجّهُ الشركاتِ دائماً نحو تحقيقِ أعلى المعاييرِ في سرعةِ الاستجابةِ طلباً لرِضانا..
أصبحَ العالَمُ يعيشُ في قمةٍ من الدلالِ و الرّفاه..
و هذه نعمة نحمَدُ الله عليها بلا شكّ و لا رّيب..
فنحنُ نعيشُ في زمنٍ يتمتعُ بكثيرٍ من التسهيلاتِ و اليُسر و لكنّ الرفاهَ كثيراً ما كان, على مرِّ العصور, سلاحاً ذو حدّيْن.
فما الفائدة من عالمٍ يمنحك كل شيء في لحظة، لكنه يُفقدك القدرة على الشعور بالدهشة، بالامتنان، بالرضا؟
لقد اعتدنا على استهلاك المعلومات بسرعة، مما جعل عقولنا أقل قدرة على الصبر مع أي شيء يحتاج إلى شيءٍ من التفكير أو الوقت.
نضغط على الشاشة بعصبية إذا تأخرت الصفحة في التحميل لثوانٍ إضافية.
نتوتر عندما لا يصل الرد فورًا على رسائلنا و نُباشِرُ بحذفِها لحِفظ ماء أوجُهِنا.
نشعر بالانزعاج عندما يكون الإنترنت بطيئًا، حتى لو كان التأخير لا يتجاوز بضع لحظات.
أصبحنا أقل قدرة على التعامل مع الفشل أو الانتظار أو حتى الصبر على العلاقات التي تحتاج إلى بناء تدريجي.
أينَ نحنُ من “في التأني السلامة”؟
هل حقاً أصبحنا جيلاً يعيشُ على “في العجلةِ…”
إن لَم تكُن “الندامة”..
فماهي؟
مهارة الصبر و مُتعةُ التأنّي
أصبحَت قدرةُ المرءِ على الصبرِ و التأني مهارةً نادرةً في عالمٍ يُمجِّدُ عُمُر الشبابِ و يقيس النجاحَ بالسرعة والإنجازات السريعة..
أصبحنا نربط عنصُرَ “الانتظار“ بالتأخُّر، وكأنّ التريُّث يجعلك أقل قيمة في سباق الحياة.
ولكن, و كما أسلفنا سابقاً, بعض الأمورِ لا يمكن استعجالها.
- لا يمكنك تسريع نمو شجرة، بل عليك أن تسقيها وتصبر.
- لا يمكنك بناء علاقة قوية بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى الوقت و الاحتكاكِ الحقيقي.
- لا يمكنك أن تصبح خبيرًا في شيء ما بمجرد الرغبة، بل تحتاج إلى التجربة والتدريب والصبر على الفشل.
هذه الأمورُ التي ستبقى دائماً و أبداً رمزاً تذكاريّاً يُعيدُنا للتأملِ في “في العجلةِ الندامة, و في التأني السلامة”..
إذا كنت تشعر بأنك فقدت قدرتك على الصبر..
فربما تحتاج إلى تدريب نفسك على هذه المهارةِ من جديد.
إليك بعض الطرق العملية:
مارس الانتظار بوعي
في المواقف التي تتطلب الانتظار—كالجلوس في طابور أو انتظار موعد—قاوم الرغبة في التحقق من هاتفك، وبدلًا من ذلك، راقب ما حولك, المكان, الأشخاص, الروائح, الأصوات.. وتأمل اللحظة كما هي.اقرأ شيئًا طويلًا بالكامل
بدلًا من القفز مباشرة إلى الملخصات، خذ وقتك في قراءة كتاب أو مقال طويل دون استعجال، وامنح نفسك الفرصة للاستمتاع بالتفاصيل و الغوصِ بعمقٍ في الفوائدِ المرجُوّة..قم بعمل يتطلب التدرج والصبر
مثل الطهي من الصفر، أو زراعة نبات، أو تعلم مهارة جديدة تحتاج إلى وقت لتنضج، بدلاً من البحث عن طرق مختصرة لكل شيء..تعمّد التأني في نشاطاتِك الروتينية
جرب أن تمشي دون استعجال، أن تتناول طعامك بوعي، أن تُنصِتَ لحديثٍ دون التفكير في جُملتِكَ التالية، أن تستمتع للإذاعةِ أو حلقةِ البودكاست دون الرغبة في التخطي, أن تُشاهِد مقطعاً مفيداً مُدتُّه تفوقُ الساعةَ بدونِ تسريع..تقبل أن بعض الأشياء تستحق الانتظار
أعد تعريف نجاحِكَ في أيّ عملٍ ليشملَ إحساسَك بالهدوء والرضا، لا فقط تحقيقَكَ للإنجازِ السريع. هوِّن على نفسِكَ و تقبّل قضاءَ بعضَ الوقتِ في انتظارِ النتائجِ, خصوصاً إذا كنتَ قد أتممتَ عملَك بالسعي و بذل اللازِم.. روِّض نفسكَ و علّمها أنّ بعض النجاحات لا تأتي فورًا، وبعض المشاعر لا يمكن استعجالها، وبعض اللحظات تستحق أن تُعاش بتأنٍّ و صبر.
و في الختام
في عالمٍ يُمجِّد السرعة، ويرفع شعاراتٍ تتهافَتُ برسالةٍ فحواها :
“ الآن !!! الآن !!! الآن !!!!!!! ”..
يصبح الصبرُ مهارةً منقرضةً أكل الدهرُ عليها و شرِب..
بل وأحيانًا يُنظر إليه وكأنهُ عدوٌّ و نقيضٌ للسلاسة المتوقعةِ لجريانِ الأمورِ و الأعمال..
و ما أبعَد الواقِع عن هذا, لِمَن فهِمَ و عقِل..
لقد اعتدنا الحُكمَ على كل لحظة انتظارٍ بأنها هباءٌ مُهدَرٌ و وقتٌ ضائع..
و أنَّ كل تأخيرةٍ لم تعُد خيرة, بَل دليلَ تراجُعٍ و إخفاق..
ولكن..
ماذا لو لم يكن التريّث تراجعًا، بل نوعًا من الحكمة؟
ماذا لو لم يكن الصبرُ ضعفًا، بل دليلًا على الثقةِ و السيطرةِ على الرغبات؟
في عالمٍ يُمجدُ العجلةَ و الفوريةَ في إشباع الرغباتِ الشخصية..
تأتي مقدرةُ الفردِ على “الانتظارِ” كنوعٍ من أنواعِ الصمودِ و الثورة.
ربما، حان الوقت لنتريّثَ قليلًا.
لنتعلم كيف ننتظر مرة أخرى.
كيف نتأنّى..
كيف نصبِر..
لنعيد اكتشاف متعة الأشياء التي تستحق فعلاً.
لأن بعض َ الأمورِ, لا يمكنُ استعجالُها..
ولا ينبغي.










ما شاء الله أبدعتم..
كلام جميل ورائع بارك الله فيكم
دِقة اختيار الموضوع، سلاسة الشرح، حسن اختيار المفردات
كل هذا واكثر جذبني لكي أنهي هذا المقال الرائع، وأن اراجع نفسي واروضها لكي تتقن فن الأنتظار.
يبدو أنني سأقضي أيامي القادمة اتجول بين ماخطته يداكِ.
بُوركت أناملك ❣️